سيد محمد طنطاوي

151

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم أكد اللَّه - تعالى - كذب هؤلاء اليهود الذين قالوا : * ( لَيْسَ عَلَيْنا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) * بجملة أخرى فيها الرد الذي يخرس ألسنتهم ، ويدحض مزاعمهم فقال - تعالى - : * ( بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِه واتَّقى فَإِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) * . و * ( بَلى ) * حرف يذكر في الجواب لإثبات المنفي في كلام سابق ، ولقد حكى القرآن قبل ذلك أن اليهود قد نفوا أن يكون عليهم في الأميين سبيل . فجاء - سبحانه - بهذا الرد الذي يثبت ما نفوه . ويبطل ما زعموه . والمعنى : ليس الأمر كما زعمتم أيها اليهود من أنه ليس عليكم في الأميين سبيل ، بل الحق أن عليكم فيهم سبيل . وأنكم معذبون بسبب كفركم واستحلالكم لأموالهم بدون حق ومثابون إن آمنتم باللَّه ورسوله ووفيتم بعهودكم ، وصنتم أنفسكم من كل ما يغضب اللَّه - تعالى - . وقد علل - سبحانه - هذا الحكم العادل بجملة مستأنفة عامة فقال : * ( مَنْ أَوْفى بِعَهْدِه واتَّقى فَإِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) * . أي كل من أوفى بعهد اللَّه فآمن بنبيه محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم واستقام على دينه ، واتقى ما نهى اللَّه عنه من ترك الخيانة والغدر وما إلى ذلك من المحرمات ، فإن اللَّه يحبه ويرضى عنه ، ومن لم يفعل ذلك فإن اللَّه يبغضه ولا يحبه ويعذبه العذاب الأليم . وبذلك تكون الآية الكريمة قد بينت أن محبة اللَّه لعبده تتوفر بأمرين : أولهما : الوفاء بالعهد . فكل ما يلتزمه الإنسان من عهود فالوفاء بها واجب . وفي مقدمة هذه العهود ، العهد الذي أخذه اللَّه على عباده بتوحيده والإيمان برسله وعلى رأسهم محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . وثانيهما : تقوى اللَّه بمعنى أن يجتنب ما نهى اللَّه عنه وحرمه عليه ، ولا يفعل إلا ما أحله اللَّه وأذن له فيه . وقد خلا اليهود من هذين الأمرين ، لأنهم لم يفوا بعهودهم ، ولم يتقوا اللَّه ، فسلبت عنهم محبته ، واستحقوا غضبه - سبحانه - ونقمته . قال صاحب الكشاف : قوله - تعالى - * ( بَلى ) * إثبات لما نفوه من السبيل عليهم في الأميين ، أي بلى عليهم سبيل فيهم . وقوله * ( مَنْ أَوْفى بِعَهْدِه واتَّقى ) * جملة مستأنفة مقررة للجملة التي سدّت * ( بَلى ) * مسدها . والضمير في * ( بِعَهْدِه ) * راجع إلى * ( مَنْ أَوْفى ) * على أن كل من أوفى بما عاهد عليه واتقى اللَّه بأن ترك الخيانة والغدر فإن اللَّه يحبه . فإن قلت : فهذا عام يخيل أنه لو وفي أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة لكسبوا محبة اللَّه . قلت : أجل ، لأنهم إذا وفوا بالعهود ، وفوا أول شيء بالعهد الأعظم وهو ما أخذ عليهم في